الجاحظ
138
الحيوان
قد انتخبهم ، حتى إذا كان على ليلة أو بعض ليلة ، أخذ بمجامع الطّرق ، ثم بيّتهم [ 1 ] ووثب أصحابه من داخل المدينة وهو وجنده من خارج ، ففتحوا الأعراب وقتلوا الملك . وأصبح قد غلب على تلك المدينة ، وعلى تلك المملكة ، فعظم شأنه ، وأعظمته الملوك ، وذكر فيهم بالحزم والكيد . وإنما كان سبب ذلك كلّه الحمام ! . 744 - [ حديث آخر في نفع الحمام ] قال : وأحدّثك عن الحمام أيضا بحديث آخر في أمر النساء والرّجال وما يصاب من اللّذّة فيهنّ ، والصّواب في معاملتهنّ . قال : وذلك أنّ رجلا أتاني مرّة فشكا إليّ حاله في فتاة علّقها فتزوّجها ، وكانت جارية غرّا حسناء ، وكانت بكرا ذات عقل وحياء ، وكانت غريرة فيما يحسن النّساء من استمالة أهواء الرّجال ، ومن أخذها بنصيبها من لذّة النساء فلما دخل بها امتنعت عليه ، ودافعته عن نفسها ، فزاولها بكلّ ضرب كان يحسنه من لطف ، وأدخل عليها من نسائه ونسائها من ظنّ أنّها تقبل منهنّ ، فأعيتهن ، حتى همّ برفضها مع شدّة وجده بها ، فأتاني فشكا ذلك إليّ مرة ، فأمرته أن يفردها ويخلّيها من الناس ، فلا يصل إليها أحد ، وأن يضعف لها الكرامة في اللّطف والإقامة لما يصلحها من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغير ذلك ، مما تلهو به امرأة وتعجب به ، وأن يجعل خادمها أعجميّة لا تفهم عنها ، وهي في ذلك عاقلة ، ولا تفهمها إلّا بالإيماء ؛ حتى تستوحش إليها وإلى كل من يصل إليها من النّساء وحتى تشتهي أن تجد من يراجعها الكلام وتشكو إليه وحشة الوحدة ، وأن يدخل عليها أزواجا من الحمام ، ذوات صورة حسنة ، وتخيّل وهدير فيصيّرهنّ في بيت نظيف ، ويجعل لهنّ في البيت تماريد [ 2 ] وبين يدي البيت حجرة نظيفة ، ويفتح لها من بيتها بابا فيصرن نصب عينها فتلهو بهن وتنظر إليهنّ ، ويجعل دخوله عليها في اليوم دفعة إلى تلك الحمام . والتسلّي بهنّ ، والاستدعاء لهنّ إلى الهدير ساعة ، ثم يخرج ، فإنّها لا تلبث أن تتفكّر في صنيعهنّ إذا رأت حالهن ؛ فإنّ الطّبيعة لا تلبث حتى تحرّكها ، ويكون أوفق المقاعد لها الدّنو منهن ، وأغلب الملاهي عليها النّظر إليهن ؛ لأنّ الحواس لا تؤدي إلى النّفس شيئا من قبل السمع ، والبصر ، والذوق ، والشم والمجسّة إلّا تحرّك من العقل في قبول ذلك أو ردّه ، والاحتيال في إصابته أو دفعه ،
--> [ 1 ] بيتهم : أوقع بهم ليلا « القاموس : بيت » . [ 2 ] التماريد : جمع تمراد ، وهو بيت صغير في بيت الحمام لمبيضه . « القاموس : مرد » .